رئيس التحرير
علاء الجمل

عبدالفتاح عبدالرازق يكتب:

تحويل القبلة وجبهات العداء للإسلام ( 2-2 )

ختمنا مقالنا السابق بكلمة إمامنا أبى حنيفة: " أهل الكفر ملة واحدة "، وحدث تحويل القبلة كشف لنا اللثام عن وجوه أعداء الإسلام الذين يتكتلون لافنائه فى كل زمان ومكان، ووصفتهم آيات التحويل فى بدايتها بالسفه لأنهم تصوروا أن مكايدهم ستُحدث البلبلة فى نفوس المؤمنين وبالتالى يكون الشك فى شأن القبلة التى هى رمز الإسلام الباقى إلى يوم القيامة للوحدة حتى وإن تشتت المسلمون، وإن ضعفوا، وإن اختلفوا، وإن ذَّلُّوا ستبقى القبلة علامة على التوحيد والوحدة فى الهدف والمصير.

وللعلماء آراء فى تفسير لفظ السفهاء الوارد فى قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ "سورة البقرة جزء من الآية 142"، إلا أن المرتضى من أقوالهم أنه قد يُراد بها جبهة الكفر فى مكة، وقد يُراد بها جبهة منافقى المدينة، وكذلك قد يُراد بها جبهة اليهود، لأنه لا فرق فى الحقد والعداوة والكيد للإسلام والمسلمين بين تلك الجبهات.

قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ "جزء من الآية 217 سورة البقرة"، ولذلك رد القرآن على كل هؤلاء ردًا لا يُريحهم: ﴿ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ "جزء من الآية 142 سورة البقرة"، فالقرآن لا يأبه لهؤلاء حتى يبين لهم سبب التحويل، ولذلك جاء الرد عامًا لأن المشارق والمغارب لله وقد هدى الله المسلمين إلى السراط المستقيم وفقط.

وهنا ملمح لمولانا الدكتور محمد عبدالله دراز – رحمه الله – وهو – على عادته – لا يأتى – إلا بالجديد حين يقول: جاء الأمر بالتوجه إلى بيت الله الحرام ثلاث مرات لترد كل مرة على طائفة من الطوائف الثلاث ( الكفار – المنافقين – اليهود ).

المرة الأولى: وهى قوله تعالى: ﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) ﴾ "سورة البقرة"، وهذه الآية جاءت ردًا على اليهود.

 

المرة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) ﴾ "سورة البقرة" وجاءت ردًا على المنافقين فى تشكيكهم.

 

والمرة الثالثة: وهى فى قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ " جزء من الآية 150 سورة البقرة "، وجاءت ردًا على الكفار الذين طمعوا أن يرجع النبى – صلى الله عليه وسلم – إلى دينهم، ولذلك ختمها الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ " جزء من الآية 150 بسورة البقرة ".

وأخيرًا نظرة إلى ختام الآية المائة والخمسين من سورة البقرة والتى تمثل ختام آيات التحويل: 

﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾، وهذا الختام يُعلم المسلمين أنهم طالمًا صدعوا بأمر الله، وتوجهوا إلى ما يأمرهم به لم يضرهم عدوهم ( لماذا ) ؟

لأن الله معهم: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) ﴾ " سورة آل عمران".

وبعدُ فهل عرفت الأمة جبهات العداء، وهل تُفيق أمتنا من هذا العجز المُهين ؟ وهل تكون يدًا واحدة على أعدائها ؟ ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ "سورة الفتح جزء من الآية 29".

فالأمر على ما قال الأستاذ سعد جمعة – أحد رؤساء الوزارة فى الأردن – فى عنوان أحد كتبه:

" الله ...... أو الدمار "